محمد بن جرير الطبري
213
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أصوب عندنا في هذا الموضع . وكذا اختلفوا في قراءة قوله : وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ النساء : فقرأ بفتح " وأنزل " أكثر القراء ، بمعنى : والكتاب الذي نزل الله على رسوله ، والكتاب الذي أنزل من قبل . وقرأ ذلك بعض قراء البصرة بضمه في الحرفين كلاهما ، بمعنى : ما لم يسم فاعله . وهما متقاربتا المعنى ، غير أن الفتح في ذلك أعجب إلي من الضم ، لأن ذكر الله قد جرى قبل ذلك في قوله : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني جل ثناؤه بقوله : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ الذين ينتظرون أيها المؤمنون بكم . فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ يعني : فإن فتح الله عليكم فتحا من عدوكم ، فأفاء عليكم فيئا من المغانم . قالُوا لكم أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ نجاهد عدوكم ، ونغزوهم معكم ، فأعطونا نصيبا من الغنيمة ، فإنا قد شهدنا القتال معكم . وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ يعني : وإن كان لأعدائكم من الكافرين حظ منكم بإصابتهم منكم . قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني : قال هؤلاء المنافقون للكافرين : أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ألم نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين ، ونمنعكم منهم بتخذيلنا إياهم ، حتى امتنعوا منكم فانصرفوا . فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني : فالله يحكم بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة ، فيفصل بينكم بالقضاء الفاصل بإدخال أهل الإيمان جنته وأهل النفاق مع أوليائهم من الكفار ناره . وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا يعني : حجة يوم القيامة ، وذلك وعد من الله المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة ولا المؤمنين مدخل المنافقين ، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجة ، بأن يقولوا لهم : أن ادخلوا مدخلهم ، ها أنتم كنتم في الدنيا أعداءنا ، وكان المنافقون أولياءنا ، وقد اجتمعتم في النار فيجمع بينكم وبين أوليائنا ، فأين الذين كنتم تزعمون أنكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا ؟ فذلك هو السبيل الذي وعد الله المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قال : المنافقون يتربصون بالمسلمين ، فإن كان لكم فتح قال : إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة ، قال المنافقون : ألم نكن معكم ؟ قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذونا وإن كان للكافرين نصيب يصيبونه من المسلمين ، قال المنافقون للكافرين : ألم نستحوذ عليكم ، ونمنعكم من المؤمنين ؟ قد كنا نثبطهم عنكما . واختلف أهل التأويل في تأول قوله : أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ فقال بعضهم : معناه : ألم نغلب عليكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ قال : نغلب عليكم . وقال آخرون : معنى ذلك : ألم نبين لكم أنا حكم على ما أنتم عليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ألم نبين لكم أنا معكم على ما أنتم عليه . قال أبو جعفر : وهذان القولان متقاربا المعنى ، وذلك أن من تأوله بمعنى : ألم نبين لكم إنما أراد أن شاء الله ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنا معكم . وأصل الاستحواذ في كلام العرب فيما بلغنا الغلبة ، ومنه قول الله جل ثناؤه : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ المجادلة : بمعنى غلب عليهم ، يقال منه : حاذ عليه ، واستحاذ يحيذ ويستحيذ ، وأحاذ يحيذ . ومن لغة من قال حاذ ، قول العجاج في صفة ثور وكلب : يحوذهن وله حوذي وقد أنشد بعضهم : يحوزهن وله حوزي وهما متقاربا المعنى . ومن لغة من قال أحاذ ، قول لبيد في صفة عير وأتن :